النافذة التربوية النافذة التربوية
أخبار ومستجدات

أخبار ومستجدات

أخبار ومستجدات
أخبار ومستجدات
جاري التحميل ...

ذ. شكيب الرغاي: ترابط الكشفية بعلوم التربية




تشكل الطريقة الكشفية نموذجا تربويا متكاملا يتقاطع بصورة عميقة مع مرتكزات علوم التربية الحديثة، رغم أن الكشفية نشأت في بدايتها كممارسة ميدانية تطبيقية، قبل أن تصاغ كثير من توجهاتها في إطار أكاديمي منظم، فقد أسس بادن باول الحركة الكشفية سنة 1907 باعتبارها مشروعا لتكوين المواطن الصالح عبر التجربة الحية والانخراط العملي في الطبيعة والمجتمع، وهو تصور ينسجم مع فلسفة التعلم التجريبي كما بلورها "جون ديوي" التي تجعل الخبرة أساسا لبناء المعرفة.
كما أن اعتماد نظام الطلائع داخل التنظيم الكشفي يعكس فهما مبكرا لآليات التعلم الاجتماعي التي نظر لها لاحقا "ألبرت باندورا" حيث يتشكل السلوك عبر التفاعل والنمذجة داخل المجموعة، ومن جهة أخرى، فإن تركيز الكشفية على القانون والعهد، وتحمل المسؤولية، وخدمة المجتمع، يضعها ضمن مقاربات التربية القيمية وبناء الشخصية، وهي مجالات حظيت باهتمام واسع في الفكر التربوي الإنساني منذ "جان جاك روسو" وصولا إلى تيارات التربية النقدية المعاصرة.
وتقوم الطريقة الكشفية على مبدأ "التعلم بالممارسة"، وهو ما يتقاطع مباشرة مع نظرية التعلم التجريبي عند "جون ديوي" حيث تبنى المعرفة من خلال الخبرة الحية، والتفاعل مع الواقع، فالأنشطة في الكشفية ليست تلقينا مباشرا، بل خبرات معيشة، وفضاء المخيم يمثل مختبرا تربويا تتكامل فيه أبعاد التعلم، ويعد الخطأ جزءا من سيرورة التكوين، وهذا ينسجم أيضا مع تصور التعلم البنائي عند "جان بياجيه" الذي يرى أن المتعلم يبني معارفه ذاتيا عبر التفاعل النشط مع بيئته.

يتبين أن الطريقة الكشفية، باعتبارها نسقا تربويا قائما على التدرج الشخصي وتحمل المسؤولية داخل مجموعة الأقران، تساهم في بناء الهوية وتنمية المعيار الأخلاقي، بما ينسجم مع نظريات النمو النفسي والاجتماعي المعاصرة، وهي بذلك لا تكتفي بإكساب المهارات، بل تؤسس لانتقال المتعلم من الامتثال الخارجي إلى الالتزام القيمي الداخلي، ومن التلقي إلى المبادرة، ما يجعلها إطارا فعالا للتربية على المواطنة الفاعلة ضمن منظومة التربية غير النظامية.

وعليه، فإن الترابط بين الطريقة الكشفية وعلوم التربية ليس ترابطا عرضيا، بل هو ترابط بنيوي عميق، فمنذ تأسيس الكشفية سنة 1907، جسدت في الممارسة الميدانية جملة من المبادئ التي ستصبح لاحقا موضوعا للتقعيد النظري داخل الحقل التربوي. ومن ثم يمكن اعتبار الكشفية إطارا عمليا للتربية غير النظامية، تجسد مبادئ التعلم البنائي، والتنمية الشمولية، والمقاربة بالكفايات، ما يؤهلها لأن تدرس ليس فقط كتجربة تاريخية، بل كنموذج تربوي قابل للتنظير الأكاديمي ضمن علوم التربية.

إن قدرة الطريقة الكشفية على تحقيق الأثر التربوي الحقيقي على الناشئة تظل مرتبطة بمدى اعتماد قيادة الحركة الكشفية على الدراسات العلمية في توضيح المنهاج الكشفي وتطويره، فالمنهاج لا ينبغي أن يبقى مجرد تقاليد متوارثة أو ممارسات معتادة، بل يجب أن تكون وثيقة تربوية واضحة المعالم، محددة الأهداف والكفايات، ومبنية على نتائج البحث في مجالات علم النفس التربوي وعلم الاجتماع والتقويم التربوي.

فالقيادات الكشفية مطالبة باعتماد المعطيات العلمية، التي يمكنها من فهم تحولات واقع الشباب، وتشخيص مواطن القوة والقصور في الممارسة، وضبط مؤشرات قياس الأثر التربوي بدقة، وبهذا تتحول الكشفية من نشاط تقليدي إلى مشروع تربوي مؤطر علميا، قائم على التخطيط والتقويم المستمر، وقادر على التطور والاستجابة لمتغيرات المجتمع.

عن الكاتب

أخبار الشبيبة والرياضة

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

النافذة التربوية