النافذة التربوية النافذة التربوية
أخبار ومستجدات

أخبار ومستجدات

أخبار ومستجدات
أخبار ومستجدات
جاري التحميل ...

ّذ. محمد أغياي: اليافع وبناء الذات.... تحديات التنشيط السوسيوثقافي بالمغرب في تلبية الحاجات الأساسية لليافعين.


 اليافع وبناء الذات: تحديات التنشيط

السوسيوثقافي بالمغرب في تلبية الحاجات الأساسية لليافعين.
▪️▪️
ذ.محمد أغياي
في لحظة دقيقة من العمر، يقف اليافع على تخوم الطفولة والرشد، حاملا أسئلة أكبر من سنه، وأحلاما أوسع من واقعه. لا يعود الأمر متعلقا بالنمو الجسدي فقط، بل بولادة داخلية بطيئة، يعاد فيها تشكيل المعنى: من أكون؟ ماذا أريد؟ وأين مكاني بين الآخرين؟ في هذه اللحظة الهشة والغنية معا، تتشكل ملامح الذات، ويصبح كل تفاعل، وكل كلمة، وكل تجربة، لبنة في بناء شخصية تبحث عن التوازن والاعتراف والانتماء.
غير أن هذا البناء لا يتم في فراغ. اليافع يحتاج إلى بيئة تحتضن تساؤلاته دون أن تصادرها، وتفسح له مجال التجريب دون أن إقصاء أو تمييز. يحتاج إلى أن يخطئ ويتعلم، أن يعبر ويصغى إليه، أن يشعر بأن وجوده ليس عبئا بل قيمة. هذه الحاجات، في عمقها، ليست مجرد رغبات عابرة، بل شروط أساسية لبناء ذات متماسكة قادرة على الاندماج الإيجابي في المجتمع. وهنا يتقدم التنشيط السوسيوثقافي بوصفه أحد الفضاءات التي يفترض أن تواكب هذا البناء، وأن تحول الطاقات المتدفقة لدى اليافع إلى إمكانات خلاقة.

لكن، بين ما يفترض أن يكون، وما هو كائن فعلا، تتكشف مسافة تستحق التأمل. فالكثير من الممارسات التنشيطية، رغم نواياها الحسنة، لا تزال تخاطب اليافع من خارج تجربته وحاجاته واهتماماته. تقدم له أنشطة جاهزة، وتنتظر منه الانخراط، دون أن تسأله عما يحتاجه حقا. تشجعه على المشاركة، لكنها نادرا ما تمنحه سلطة القرار. وهكذا، يجد نفسه في موقع المتلقي داخل فضاء يفترض أنه صمم له، فيتردد حضوره بين الانخراط الشكلي والانسحاب الصامت.

إن بناء الذات لدى اليافع يرتبط ارتباطا وثيقا بجملة من الحاجات الأساسية: الحاجة إلى الانتماء، حيث يشعر أنه جزء من جماعة تقبله كما هو؛ والحاجة إلى التقدير، حيث يعترف بقدراته وتثمن مساهماته؛ والحاجة إلى المعنى، حيث يفهم لماذا يفعل ما يفعل، وما القيمة التي يضيفها وجوده. حين تلبى هذه الحاجات، ينمو اليافع بثقة، ويتحول إلى فاعل اجتماعي في محيطه. وحين تهمل، يبحث عنها في فضاءات أخرى، قد تكون أقل أمانا وأكثر هشاشة.

تزداد هذه التحديات تعقيدا في زمن تتسارع فيه التحولات. فاليافع اليوم يعيش بين عالمين: واقع ملموس تحكمه المؤسسة، وعالم رقمي مفتوح يمنحه مساحات واسعة للتعبير والانتماء. وبين هذين العالمين، تتشكل هويته بشكل متشظ أحيانا، متحرر أحيانا أخرى. غير أن العديد من البرامج التنشيطية لا تزال تتعامل مع هذا اليافع بعين الأمس، متجاهلة لغته الجديدة واهتماماته المتغيرة، مما يعمّق الإحساس بعدم الملاءمة، ويضعف فرص الارتباط الحقيقي بالفضاء التربوي.

كما أن التحدي لا يكمن فقط في مضمون الأنشطة، بل في طبيعة العلاقة التربوية ذاتها. فالمنشط، في كثير من الحالات، ينتظر منه أن يقود ويوجه، أكثر مما ينتظر منه أن ينصت ويرافق. بينما يحتاج اليافع، في هذه المرحلة، إلى من يراه كشريك في التجربة، لا كموضوع لها. يحتاج إلى علاقة قائمة على الثقة، تُتيح له أن يعبر دون خوف، وأن يبادر دون تردد، وأن يشعر بأن صوته يحدث فرقا.

إن تجاوز هذه التحديات يقتضي إعادة التفكير في فلسفة التنشيط السوسيوثقافي، ليس باعتباره وسيلة لملء أوقات الفراغ، بل كمسار لبناء الإنسان. مسار يبدأ بالإنصات الحقيقي والفعال لليافعين، والاقتراب من عوالمهم، وفهم تحولاتهم العميقة، ثم ترجمة ذلك إلى ممارسات مرنة تشركهم في صناعة التجربة. فحين يصبح اليافع جزءا من التخطيط، ومن التنفيذ، ومن التقييم، يتحول النشاط من حدث عابر إلى تجربة أصيلة، تترك أثرها في نظرته إلى ذاته وإلى العالم من حوله.

كما أن الاستثمار في تكوين المنشطين التربويين يظل ركيزة أساسية، ليس فقط على مستوى التقنيات والأساليب التدريبية، بل على مستوى الوعي بطبيعة هذه المرحلة، وبأهمية البعد الإنساني في كل تدخل. فالكفاءة هنا لا تقاس بقدرة المنشط التربوي على إدارة النشاط فقط، بل بقدرته على قراءة ما بين السطور، وعلى التقاط الإشارات الصامتة، وعلى خلق مناخ يشعر فيه اليافع بالأمان والاعتبار واحترام خصوصيته.

وعلى سبيل الختم، لا يمكن بناء ذات متماسكة داخل فضاء لا يعترف بها. ولا يمكن لليافع أن ينخرط بصدق في تجربة لا يرى فيها نفسه. التنشيط السوسيوثقافي، حين ينجح في ملامسة الحاجات الأساسية لليافعين، لا ينتج فقط لحظات ترفيه أو تعلم عابر، بل يسهم في صياغة مسارات حياة، وفي منح هؤلاء اليافعين ما يحتاجونه حقا: فرصة ليكونوا أنفسهم، بكل ما في ذلك من هشاشة وقوة، من تساؤل واكتشاف فاليافع ليس مشكلة… بل مشروع طاقة يحتاج إلى توجيه، مواكبة واحتضان.

عن الكاتب

أخبار الشبيبة والرياضة

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

النافذة التربوية