محمد، أو « مومو » كما يحلو لوالده أن يناديه، شاب في التاسعة عشرة من عمره، مصاب بطيف التوحد منذ صغره، وجد نفسه خارج المدرسة بعد سنوات من الدراسة في قسم متخصص تابع لإحدى الجمعيات. لقد تم إبعاده بقرار شفهي مباغت، فتح أمامه وأمام أسرته بابا جديدا من المعاناة، في ظل ندرة المؤسسات الاجتماعية المتخصصة في استقبال المصابين بطيف التوحد ورعايتهم.
طفولة مريرة
ولد محمد بمدينة العيون سنة 2006، وسط أسرة بسيطة يعولها الأب الذي يشتغل أستاذا للغة الفرنسية بالسلك الابتدائي. قضى سنواته الأولى « طفلا عاديا »، لكن بعد بلوغه الثالثة من عمره، يقول والده، بدر الدين آيت الخوي متحدثا لموقع « اليوم24″، « بدأت تصدر عنه سلوكيات غير مألوفة لدى الأطفال »، موضحا أنه « كان يتعامل مع محيطه بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي تتصرف بها أخته… يفضل العزلة واللعب بشكل فردي بعيدا عن أقرانه ».
تفسيرات الأسرة لتصرفات « مومو » كانت متباينة أول الأمر، ومصطلح « طيف التوحد » كان غائبا عن حساباتها حينئذ، إلا أن استمرار عدم قدرته على الكلام بعد بلوغه 4 سنوات، جعل البحث عن تشخيص طبي لحالته « أكثر إلحاحا ».
في صيف سنة 2010، اتجهت العائلة إلى مدينة الرباط، بعدما لم تجد في مدينة العيون تفسيرا يطمئنها على حالة ابنها، لتكتشف في عيادة أخصائي نفساني للأطفال بالعاصمة أن محمد مصاب بطيف التوحد، مما شكل « صدمة »، يقول الأب.
إلا أن « الصدمة الأكبر »، يضيف المتحدث، جاءت حين أخبرهم المختص بأن « الحل الوحيد أمامهم » يكمن في العودة صوب مدينة العيون، بحثا عن جمعية متخصصة في رعاية الأطفال المصابين بطيف التوحد، أو تأسيس أخرى جديدة.
مبادرات فردية و »فراغ مؤسساتي »
في العيون، اصطدم بدر الدين وابنه « مومو » بواقع مر.. « جمعية محلية وحيدة تشتغل في مجال رعاية الأطفال المصابين بطيف التوحد، معظم أعضاء مكتبها المسير غير نشيطين، وتأثيرها الميداني محدود »، يؤكد الأب.
أمام هذا « الفراغ المؤسساتي »، قرر بدر الدين أخذ زمام المبادرة لإعادة هيكلة الجمعية من جديد، وتوسيع نطاق أنشطتها، مستفيدا من إتقانه للغة الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، ما سمح له بالانفتاح على مؤسسات ومنظمات أجنبية عاملة في المجال.
نظم أول لقاء تحسيسي حول التوحد بالمدينة سنة 2010 بشراكة مع مؤسسة تعليمية، وترأس بعدها المكتب المسير للجمعية، ليتخذ عددا من الخطوات في سبيل تحسين وضعية ابنه وأبناء عدد من الأسر التي تعيش نفس معاناته.
من بين تلك الخطوات، يذكر بدر الدين: « تأسيس قسمين مدمجين لأطفال التوحد بالمدرسة العمومية بشراكة مع النيابة الجهوية للتعليم، وتأهيلهما بمعدات تقنية بتعاون مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية للمربيات والأمهات حول كيفية التعامل مع المصابين بالتوحد، بشراكة مع منظمات أجنبية ».
العودة إلى العاصمة
في سنة 2013، وبعد أن قضى محمد ثلاثة أعوام في « الأقسام المدمجة » بمدينة العيون، احتدمت خلافات داخلية بين أعضاء المكتب المسير للجمعية الراعية لهذه الأقسام، ليتشكل قرار الأب بمغادرة المدينة صوب محيط عاصمة المملكة، بحثا لابنه عن ظروف أفضل.
تلك الظروف الملائمة المنشودة، يقول بدر الدين، « ظلت مفقودة حتى في قلب العاصمة »، مشيرا إلى أن « الهوة شاسعة بين أعداد المشخصين باضطراب طيف التوحد، وعدد الجمعيات المتخصصة في إدماجهم بالمدارس بمختلف أنحاء المغرب ».
هذه المعادلة « غير المتوازنة »، وفق المتحدث، « تجعل الجمعيات في موقف قوة، يتيح لها وضع الشروط التي تشاء أمام الأسر، فضلا عن إلزامها بدفع رسوم شهرية تتراوح بين 700 درهم و3500 درهما، رغم كونها تتلقى منحا مالية من وزارة التضامن، ورغم أن الأقسام التي تشرف عليها تابعة لمؤسسات تعليمية عمومية ».
وفي ظل كل هذه « التعقيدات »، وجد بدر الدين أخيرا جمعية منحت لابنه فرصة الولوج إلى حقه في التعليم، مقابل 700 درهم شهريا، إضافة إلى مبلغ تأمين سنوي يقدر بـ 500 درهم، ليظل بعدها محمد، وفق تعبير والده، « حبيس نفس الحجرة الدراسية لمدة 12 سنة، يتلقى فيها رعاية يومية إلى جانب أطفال آخرين من نفس حالته، دون أن يخضعوا لنظام المستويات الدراسية المعمول به بالنسبة لبقية التلاميذ (العاديين) ».
خلال هذه المرحلة، وتحديدا سنة 2014، لجأ بدر الدين إلى الكتابة للترافع عن حقوق الأطفال المصابين بطيف التوحد، ليؤلف روايته الأولى باللغة الفرنسية «MoMo je m’appelle, Autiste je suis » ، التي روى فيها قصة ابنه وجزءا من معاناته، ليصدر بعدها نسخة عربية بعنوان « توحدي أنا »، ثم نسخة إنجليزية بنفس العنوان.
نهاية « عبثية » لمسار شاق
في شهر يونيو من السنة الجارية (2025)، تلقت أسرة بدر الدين خبرا سيفتح عليها أبواب فصل جديد من المعاناة، بعدما أبلغتها الجمعية الحاضنة لمحمد « شفويا » بقرار فصله من الدراسة.
« تذرع المسؤولون هناك بأن الشاب تجاوز سن الثامنة عشرة، وأن الجمعية باتت مضطرة إلى التركيز على الأطفال الأصغر سنا »، يقول الأب، مستنكرا ما اعتبره « قرارا عبثيا لم يحترم حق الشاب في التمدرس، من جهة، ولم يستند إلى أي وثيقة مكتوبة من جهة ثانية ».
واليوم، وبعد مرور ثلاثة أشهر على انطلاق الموسم الدراسي الجديد، يتساءل بدر الدين عن مصير ابنه في ظل « غياب شبه تام » لمؤسسات وجمعيات متخصصة في استقبال فئة الشباب المصابين بطيف التوحد ومواكبتهم بالتكوين والرعاية، مشيرا إلى أن محمد « أصبح يقضي اليوم كله داخل المنزل، مما يهدد كل المكتسبات التي حققت على مدار سنوات في ما يتعلق بتعديل سلوكه ».
معاناة مشتركة
أسئلة بدر الدين عن مستقبل ابنه تتقاسمها معه آلاف الأسر المغربية الحاضنة لأشخاص مشخصين بطيف التوحد، سواء أكانوا أطفالا أو راشدين. فحسب التقرير الأخير لجمعية « التغلب على التوحد » » « Vaincre l’autisme، يتم تسجيل 36 ولادة لأطفال مصابين بهذا الاضطراب يوميا بالمغرب، و14 ألفا سنويا.
وتجدر الإشارة إلى أن وزارة التربية الوطنية والتعليم أطلقت سنة 2019 برنامجا وطنيا للتربية الدامجة، يهدف إلى تمكين الأطفال ذوي الإعاقة من الالتحاق بمؤسسات التربية والتعليم التي يرتادها أقرانهم، والتعلم ضمن نفس البيئة المدرسية، مع تكييف التعلمات وطرائق وتقنيات العمل مع قدراتهم وخصوصياتهم.
إلا أن هذا البرنامج ظل بدوره، وفق تصريحات أسر راعية لأطفال في وضعية إعاقة، غير فعال على أرض الواقع، لكونه « يقصي » الأشخاص الحاملين لإعاقة حادة، وينطوي على « اختلالات كبيرة » في عملية تكييف الامتحانات الإشهادية، فضلا عن كونه يلزم الأسر بدفع الأجرة الشهرية للمرافق المدرسي للطفل.
عن جريدة الأخبار 24
